-:مقدمة:-

ان  الـنـظـم  الـصـوفـى  عـنـد الامـام ابـى الـعـزائـم  كـان هـو بـحــر الاشـواق  الـذى يـمتــلأ  درراً وجـواهـرَ وآيـاتٍ مـن الـحـب الالـهـى هـذا الـحـب الـذى ملأ  و جـدان الامـام حـتـى كـان كـل حالـه حـبـا وشـوقـا للذات الالـهـيـة .

ولـقـد كـان هـذا الـحـب الالـهـيى نابعاً ودليلاً على  حـسـن اتـبـاع الامام  لـرسـول الـلـه صـلـى الـلـه عـلـيـه وسـلـم و كـلـما انـطـبـعـت فـى نـفـسـه انـوار اتـبـاع الرسـول و مـحـبـة الـرسـول عـلـيـه الـصلاة والـسـلام كلما كانت حالة الحب والاشواق فى تزايد .

ولـكـى نـعـيـش مـع الامـام فـى نـظـمـه الـصـوفـى يـجـب أن نـرجـع الـىقـامـوس الـصـوفـيـة الـذى يـمـيل الـى الاشـارة قـبـل الـعـبارة والـذى يـهتم بـالـمـعـنـى قـبل الـمـبنى ,اللـهـم الـهـمـنا الـصـواب و جـنـبـنا الخطأ المعاب.

 

-:الفصل الأول :-

النظم الصوفى عند الإمام أبى العزائم

" النظم الصوفى عند الإمامِ أبى العزائم " عنوانٌ كبير وهو يشتمل على عدة معانى كثيرة ومتعددة  , وإذا ما اردنا أن نُلِمَ أو نحيط بهذه المعانى لا يكفينا آلاف الصفحات بل ولا مئات الكتب والمخطوطات ولكننا هنا ومع التركيز الكبير والتبسيط المركز وكى نستطيعَ ان نلم بكل الجوانب فى هذا الموضوع , سوف نقسمها الى ثلاثة اجزاء نحاول ان نوجز فيها اهم المعانى وهى كالآتى :

 الجزء الأول هو "النظم" ما هو وما تعريفه وكيف نتعرف عليه من بعض الامثلة .

 والجزء الثانى هو "الصوفية" ما هى وما تعريفها وما مصطلحاتها ومن هو الصوفى  .

والجزء الثالث و هو "الامام ابو العزائم" رضى الله عنه من هو وما تاريخه وما مؤلفاته وكتبه وما هو دوره فى حقل الدعوة الاسلامية .

وسوف نتناول فى هذه الاجزاء الثلاثة من هذا الفصل و فى ايجاذ لا يفقد المعنى ولا يمل منه القارىء , فهذه الاجزاء يمكن ان تكون هى بخاصتها عناوين لكتب ثلاث  بل لأبحاث ثلاث وكيف لا وهى تتكلم عن بحور من العلم فمن البدء بالنظم وعلومه وبحوره واوزانه  الى الصوفية واسرارها  ومقاماتها واحوالها ومصطلحاتها  ثم الى حياة  الامام ابى العزائم  وتاريخه وكتبه وحكمه وفيوضاته , وهكذا نلتمس العذر من القارىء العزيز فى الخطأ غير المقصود والتقصير _ وهو ان كان فعن عيب منى _ حيث المادة غزيرة والفيض وفير والعون ان شاء الله من الولى الكبير  .

النظم :

النظمُ فى اللغة هو جمع اللؤلؤ فى السلك وعمل قلادة منه وإصطلاحاً هو جمع قصائد وابيات الشعر الجيد والمشهور وذلك بتشبيه الشعر الجيد والعظيم باللؤلؤ ولما لا والنظم هو خلاصة ما انتجته القريحة العربية من كلام ومعانى بقيت على مر السنين , وإذا كانت الأساليب العربية هى ثلاث اساليب وهى على الترتيب النثر والشعر والقرآن الكريم , والفرق بينهم هو أن القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وتعالى وهو لا تنطبق عليه قوانين اللغة بل إن اللغة هى التى تتبعه وتطيعه لقدسيته وهوالمعجزة الخالدة الباقية ما بقيت الحياة يتحدى به الخالق سبحانه وتعالى جميع الخلق منذ محمد صلى الله عليه وسلم وحتى قيام الساعة ان يأتوا بآية من مثله  , و أما النثر والشعر فهما من نتاج العقل البشرى وابداعه الذى وهبه الله له , وقوة النثر وبيانه وسحر الشعر وتاثيره يعتبران نفحة من نفحات الهبة والعطاء الالهى الذى يتفضل به على خلقه ولذلك نفى القرآن عن الرسول قوله الشعر , وذلك ليس عيبا فى الشعر ولكن تنزيها للرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذى بعثه الله بمعجزة القرآن ان يكون ممن وهبهم الله موهبة الشعر حتى لايختلط  عند الناس ما ياتى به من قران كريم مقدس هو كلام الله واوامره بما قد يقوله من شعره ونتاجه قال الله  تعالى " وما علمناه الشعر وما ينبغى له" صدق الله العظيم   .والشعرُ أو النظم هما وكما يعرفهما أهل اللغة العربية بالكلام الموزون المقفى ذو الهدف والغاية , ومن هنا أُطلقَ على الشعر اسماء عدة فمنها كما اسلفنا النظم ومنه القصيدة والمواجيد وجاء ذكرُ القصيدة لأنها تكون لغرضٍ ما أى لقصدٍ ما وأما المواجيد فلأنها تكون ما يجد على قلب الشعراء ِ من الهام ومعانى .وكل ما كان من الشعر الذى يأتى نتيجة الوجد والإلهام الربانى من حب لله وللرسول واحتوى معانى اهل الصوفية أطلقنا عليه النظم , وهو وان كان ملتزما باحكام الشعر وقوانينه من وزن البحر والقافية والأغراض إلا أنه كان الهاماً وفيوضات ربانية وعرفانية .وأما ما يُطلق عليه من شعر التفعيلة , وهو ما تحرر من اوزان بحور الشعر والتزم التفعيلة أو ما يسمى بالشعر الحديث وهو ما تحرر من الوزن والقافية والتفعيلة أو ما يسمى بالشعر المنثور او قصيدة النثر فلم يرد فى التراث الصوفى ما يثبت ان احداً من ائمة الصوفية تناوله او اشار اليه , وبالتالى فكل ما سنتناوله من نظم هو شعر عمودى ملتزم بالوزن والقافية .والنظم الصوفى او الشعر الغنائى فى حب الخالق سبحانه وتعالى وفى تجلياته على جميع الخلق نستطيع ان نلمح له اصل فى كل اللغات القديمة وما كانت ترنيمات" داود "عليه السلام وتسبيحاته التى جعلت الجبال تسبح معه إلا صورة من صور اغانى الحب الالهى , ومن المعروف ان جميع ائمة الصوفية من عصر الصحابة الى يومنا هذا كان النظم الصوفى هو اداة التعبير لأظهار مشاعر الحب والعشق الالهى وما كانت اشعار محى الدين ابن عربى إلا صورة من صور تجلياته وكذلك امير العاشقين ابن الفارض الذى كان له لونه المميز فى نظمه الصوفى وصوره الشعرية وتشبيهاته البليغة فى التعبير عن شوقه وعشقه للذات الالهية .وقد امتلأت قصائد النظم الصوفى بخاصية ملازمة لها وهى خاصية الرمز والاشارة , ومما هو معروف ان الرمز فى الشعر عموما من ادوات التعبير القوى فى الشعر مما يعطى الشعر قوة فى المعنى وحلاوة فى المبنى , وقد يكون امتلاء النظم الصوفى بالرمز والاشارة لخصوصية الموضوع وصعوبة التصريح بمعانيه وهو الحب والعشق الالهى , وذلك إما لأن كل ما يتعلق بالذات الالهية لا يجب ان يكون إلا بالتلميح والاشارة اقدسية الذات وصعوبة التعبير عن حقيقتها فكان الرمز والاشارة , وإما لتفاوت قدرات الناس فى تناول موضوع الحب الالهى فمن الناس من لا يستطيع ان يفهم او يستوعب وقديما قيل "خاطبوا الناسَ على قدر عقولهم" وهكذا نجد ان الرمز والاشارة كانتا فى النظم الصوفى من اهم خصائصه واسباب قوته وتأثيره .

                                                                         

1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 -7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12



Powerd by Egysign.com